أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
359
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
« أل » ، وإذا ثبت أن الصالحات جمع كثرة لزم أن يكون « قانِتاتٌ حافِظاتٌ » للكثرة لأنه خبر عن الجميع ، فيفيد الكثرة ، ألا ترى أنك إذا قلت : « الرجال قائمون » لزم أن يكون كلّ واحد من الرجال قائما ، ولا يجوز أن يكون بعضهم قاعدا ، فإذا القراءة الشهيرة وافية بالمعنى المقصود . قوله : فِي الْمَضاجِعِ فيه وجهان : أحدهما : أن « في » على بابها من الظرفية متعلقة ب « اهْجُرُوهُنَّ » أي : اتركوا مضاجعتهن أي : النوم معهن دون كلامهن ومؤاكلتهن . والثاني : أنها للسبب قال أبو البقاء : « واهجروهنّ بسبب المضاجع كما تقول : « في هذه الجناية عقوبة » وجعل مكي هذا الوجه متعينا ، ومنع الأول ، قال : « ليس « في المضاجع » ظرفا للهجران ، وإنما هو سبب لهجران التخلف ، ومعناه : فاهجروهن من أجل تخلّفهنّ عن المضاجعة معكم » . وفيه نظر لا يخفى . وكلام الواحدي يفهم أنه يجوز تعلقه ب « نُشُوزَهُنَّ » فإنه قال - بعد ما حكى عن ابن عباس كلاما - : « والمعنى على هذا : واللاتي تخافون نشوزهن في المضاجع » ، والكلام الذي حكاه عن ابن عباس هو قوله « هذا كلّه في المضجع إذا هي عصت أن تضطجع معه » ولكن لا يجوز ذلك ؛ لئلا يلزم الفصل بين المصدر ومعموله بأجنبي . وقدّر بعضهم معطوفا بعد قوله : « وَاللَّاتِي تَخافُونَ » أي : واللاتي تخافون نشوزهن ونشزن ، كأنه يريد أنه لا يجوز الإقدام على الوعظ وما بعده بمجرد الخوف . وقيل : لا حاجة إلى ذلك ؛ لأن الخوف بمعنى اليقين ، وقيل : غلبة الظنّ في ذلك كافية . قوله : فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا في نصب « سَبِيلًا » وجهان : أحدهما أنه مفعول به . والثاني : أنه على إسقاط الخافض ، وهذان الوجهان مبنيان على تفسير البغي هنا ما هو ؟ فقيل : هو الظلم من قوله : فَبَغى عَلَيْهِمْ « 1 » ، فعلى هذا يكون لازما ، و « سَبِيلًا » منصوب بإسقاط الخافض أي : بسبيل . وقيل : هو الطلب من قولهم : بغيته أي طلبته . وفي « عَلَيْهِنَّ » وجهان : أحدهما : أنه متعلق ب « تَبْغُوا » . والثاني : أنه متعلق بمحذوف على أنه حال من « سَبِيلًا » لأنه في الأصل صفة النكرة قدّم عليها . قوله تعالى : شِقاقَ بَيْنِهِما : فيه وجهان : أحدهما : أن الشقاق مضاف إلى « بين » ومعناها الظرفية ، والأصل : « شقاقا بينهما » ولكنه اتّسع فيه فأضيف الحدث إلى ظرفه ، وظرفيته باقية في نحو : سرّني مسير الليلة ، ومنه « مكر الليل » « 2 » . والثاني : أنه خرج عن الظرفية ، وبقي كسائر الأسماء كأنه أريد به المعاشرة والمصاحبة بين الزوجين ، وإلى هذا ميل أبي البقاء قال : « والبين هنا الوصل الكائن بين الزوجين » . و مِنْ أَهْلِهِ فيه وجهان :
--> ( 1 ) سورة القصص ، آية ( 76 ) . ( 2 ) سورة سبأ ، آية ( 33 ) .